|
لحظة من لون |
"الآن أنا أمام اللوحة، و أمام المساحة البيضاء، أتمنى أن يتسخ اللون الأبيض، أنا أكره اللون الأبيض الفارغ، لأنه في الحقيقة أسود وليس أبيض" فاتح المدرس..
-1- الحي يضج بالبكاء, جارتنا الشابة, رزقت بمولودها الأول, ولفرط الصخب الذي انتشر في حينا أثناء حملها, وكانت هي من تزعم هذه الحركة, فرحة بإثباتها, أنها أنثى مكتملة, وقادرة على إنجاب ذكر , في محاولتها الأولى! تسير,واثقة, مبرزة القبة التي بدأت تتكور على مساحة بطنها,وتتظاهر بها, أكثر مما هي عليه, لذلك صارت ولادتها مطمحا لنا.. تعد أمي حساء, لذيذا, أمرّ من المطبخ, أشتم رائحة مغرية للشهية, أمد يدي على القدر, تستوقفني أمي, بيدها تلوك أذني.. تثنيني عن لمسه,تقول: -عيب , هذا لجارتنا, مريضة!.. -مريضة!.. أقولها ضاحكا, يبدو أن أمي تتوهم أنني أجهل أنها نفساء, وحسب!.. أتعلق بأمي لحظة خروجها من المنزل, أصر على الذهاب معها لرؤية الطفل!, تحدجني بنظرة مربكة, وتقول: -وليد, متى ستكبر, صرت في الصف الثالث, ولا تزال تتعلق بي كابن أربعة أعوام!.. -طيب, فقط هذه المرة, أريد أن أرى الطفل... تأخذني مرغمة, كما عودتهّا, أشتاط غضبا إذا ما نفذت أي طلب لي, وأحجم عن تنفيذ أمر , لا أراه في صالح النظرة الموازية لي!.. -2- جارتنا, ممددة,على فراشها, تلوك الكلمات مع أمي,كعادتها..أحجم عن اهتمامي بالمرأة التي تلاحقها أعين شبان الحي أجمع, وأسترق النظر إلى الطفل, المعلب في قمقم أبيض!.. تحمله أمي, تقول: - شوف يا وليد, الطفل, لا يمتلك ملامحا كما أرى!, أبحث عن بقيته, أتسلل بيدي إليه, تفهم أمي مغامرتي, تردعني,وتقول: - الصغير بدون قماط, بتتفكك مفاصله, خلي هيك.. أشعر به, أود لو أساعده على الانفلات من هذا الأسر الذي يحيط به! لماذا تحاول أمي وربما,كل الأمهات دوما, السيطرة على أبنائهن!.. أسألها: - أمي, هل كنت تلفينني مثله في صغري.. تقهقه جارتنا وتقول: - بالتأكيد, وعلى الفاضي, بتطلعوا عفاريت!. آه, حسنا, هو إذن مخطط ضد حرية الأطفال!,, أعيد التدقيق في الطفل, ملابسه بيضاء, كل ما يعلوه, ويدنوه, أبيض اللون!.. أستنكر بشدة, ألكز والدتي بيدي, أوشوشها: - طيب , ليش الأبيض؟ في ألوان أحلى.. - اسكت, هاي عادة .. عادة!, والدي أخبرني البارحة, عن العلم الأبيض الذي كان يرفرف على سفينة القبطان في برنامجي المفضل, قال بالحرف: - الأبيض, رمز الاستسلام, تعلن فيه الدول, والسفن, تسليمها الضمني لعدوها , برفعه!.. أكره هذه الكلمة, إنها محاولة كسر شوكة الطفل رامي, منذ اللحظة الأولى له.. أشعر بالكره, يقتحمني, لهذا العالم الذي يحاول أن يسلمنا للوهن!,, يسلبني صوت الجرس من أفكاري التي أحتفظ بها لنفسي, تأمرني أمي بفتح الباب.. جارة أخرى تأتي, تحمل كيسا بيدها, تدلف إلى الغرفة,يتبادلن السلام والقبلات معا , وتدس في قمقم الصغير شيئا ما لا أعرفه!, أخاف أن يكون تعويذة, لكنني أسكت, لأرقب!.. تفتح هديتها, وتقول لجارتنا الشابة: - هذا يا وداد, غطاء دافئ, الدنيا بدأت تدخل فصل الخريف.. أنظر اليه , أبيض ناصع, يجعلني اشمئز!..تستهل أمي: - أبيض وجميل, خلي هالولد يطلع بريء, و تقي.. بريء , وتقي!..أول مرة أعرف أن الألوان يمكن أن تسبغ على الإنسان صفات كهذه!.. -3- نعود للمنزل, لا أتحدث إلى أمي!, أتوجس من خوض نقاش معها, فتكتشف كم كبرت!.. أمزق قميصي الأبيض الذي أرتديه للمدرسة, تصرخ بي أمي.. أقول لها: - من يوم وطالع, لن أرتدي أي شيء أبيض, اشتري لي, قميصا آخر.. ترشقني بنظرة قاسية, أقرب إلى القهر, وقبل أن تصل يديها إلى رقبتي, أركض مسرعا, إلى الخارج!.. *** -1- نفسيتي متوترة جدا, فيّ هوس للهروب من الآتي, الزواج الذي كنت أتمنى, يخيفني إلى درجة, أنقض معها مواثيق السعادة, وشغفي بالحركة, نحو روح خطيبي!.. البحث عن الفستان الأبيض, يربكني,أجوب المحلات, أرتدي كل ما تقع عليه عيني, ألتف أمام المرآة, يعجب والدتي, وتقول: - زي القمر أتردد أكثر, ربما ذوق أمي يخدع لغة الجمال, فيسبغها عليّ جزافا!.. تلمس هي ضجري, فتقابلني بتأففِ, امرأة شارفت على الستين: - طيب, خلص, خذي روعة معك, بنات جيل وذوقكن واحد.. يطيب لي الاقتراح, كيف تناسيت روعة, لها طراز برجوازي قليلا, لكنها تعرف بقعا, إذا ما جبناها, لا بد سأجد ما يشفي سقمي بالبحث!.. أهاتفها, وكعادتها, ترد بتراخ بفرنسية ركيكة, تتعلمها من أفلام عابرة.. - بونجور, مدموزيل لينا.. - روعة, ساعديني, أبحث عن ثوب زفافي, ولا أجد ما يعجبني, ما رأيك أن تأتي معي, لننتقي واحدا؟.. - أووه, لينا, بالتأكيد, كان عليك إخباري منذ البداية, أعرف معرضا, لن تخرجي منه إلا عروسا بثوب زفاف, راق.. - حقا, سعيدة بسماع ذلك, إذن أنتظرك اليوم عصرا, ما رأيك؟.. - حسنا.. أشعر بارتياح كاذب, لست أعاني البحث, أنا أتعمد تضييع ما أمرّ به من فساتين, خوفا من لونها!.. أخاف, أن يترجم صلاح, استسلامي له, ليلة الزفاف, استسلاما كليا,,وأن يمتد برجولته على جسدي, وفكري.. أريد أن أظل الفتاة, الجامحة, التي تجامع الليل, بقصيدة, تغزلها يداي..وأن أحافظ , على مدّي, نحو شواطئ المعرفة, أغطيها بكلتا يدي, وأنهب منها ما تحمله قوافلي التي ازمعت السفر دوما.. -2- الغروب يسيل دموية, على صفحة السماء, يحيلها لوحة تجريدية, تخفي خلفها, تعابير النهايات, وربما انتفاض الطبيعة الجزئي, على انغماس الإحساس بالبهجة المنطلقة من نهارات الربيع!.. أجلس وروعة على شرفة منزلنا, تدخن سيجارا, كعادتها, مع كأس من المشروب الغازي..تنظر إليَ, بتفحص, تفاجئني: - لينا, تحبين صلاح منذ ثلاثة أعوام, لمَ أشعر بك, تمطّين اللحظة ما قبل الأخيرة, أشم في عينيك, رائحة قلق!.. أتعثر بكلماتها, أشعر بي أسقط في شرك, حبكته بنفسي!.. - لينا!..ما هذا العبث الذي تتفوهين به!,, أقولها متصنعة الغضب, وكأنها تفهمني أكثر , فتجيب: - لينا, لست غريبة عن تلافيف عقلك, تحيكين مؤامرة أكرهها لك, تتبوتقين في صندوق وهمك العاجي!, اسمعي جيدا لم أتزوج بعد, ولم أخبر القفص الذهبي, لكنني متيقنة أن الحب الذي أحياك, لن يميتك البتة, و ذلك التوجس الذي أقرأه في عينيك, بموتك الوهمي الذي, قرأته فيك, في مقالاتك, والقصص, اسمعيني.. - روعة أرجوك, أعترف بأنك قرأتني بدقة مسبقا, لكن هذه المرة لن تفلحي, تعرفين عجينتي بدقة, ولا أظن أن أي فرن يمكن أن ينضجني,أثق بصلاح لكن..أخاف أن يفقد رونق أسطورتي لديه, ويحيلني امرأة عادية,جسد يغريه بالاتحاد المتتالي!,, الثوب الأبيض, يشعرني بالانتهاء ليلة زفافي, بإعلان بداية ميكانيكية لي!.. - ألم تفكري, بأن الأبيض وحده, يعيدك ملاكا, يهيم في سماء زوجك, نظرية الاستسلام هذه, تحبكها النساء الجاهلات, أما أنت فعليكِ, أن تعرفي مدى نقائك, بأبيض العرس, وأن تقلعي عن فلسفة اللون.. -1- الليل يتوغل بالحلكة, يغوص فيّ طعم السواد, والنهايات, أشتم الموت في خزانة غرفة أخي, أحوم حوله, كث الذقن, غائر الملامح, كأنه من جيل كهف مضى!.. يخزن كفنا, أبيض, اشتراه من سوق للموتى, يتبضع فيه الأحياء!.. منذ شهر, يعتكف في ملابس النوم, لا يحيا أيّ نفس!,, تستجوبه أمي, فيغضب, يؤنبه والدي, فيضجر, وأقف بجانبه, فيتطلع إليَ بنظرة غاضبة, أبادلها, بحنان وخوف عليه, تلّين الشرر عنده, يفصح لي مرات كثيرة, عن مشاعر متصارعة فيه, تدفعه للموت, لروح حبيبته التي سبقته إلى السماء!.. أحاول تهدئته, يقول لي.. - رشي عطرها, على كفني, لن يطول مقامي هنا.. و يتطلع للكفن, يتشممه, ويحتضنه, كأنه صار فيه متحدا وإياها, يحزنني, حد البكاء, أصبّر نفسي برحمة الله عليه, وإطالة عمره.. لكن إصراره مخيف!, تتفسخ الحياة عنده,وتحيله أمراضه النفسية إلى كلمات ما قبل نهايته, أجدها على جدار غرفته,, " لفني بالأبيض, أيها القدر,, باستسلامي لله, لروحها, وللحياة, لانتهاء معركتي الأخيرة, فيك,, اسبقني بعطرها, إليها, بشوقي, وشوقي, وآخر لهفة, كما الأولى!"..
طالبة جامعية.ك/ العلوم
|
|
|
|
|
|
|