الاسلاموفوبيا لمواجهة نزعة الاستقلال وحرية العقل
 

الاسلاموفوبيا لمواجهة نزعة الاستقلال وحرية العقل   لم يستطع الشاب 'شمس مياح' ضبط اعصابه فوجه ضربة لمحمد فرقان وكسر حنكه. سبب المواجهة بينهما ان احدهما حاول تجاوز الآخر في طابور الانتظار امام آلة السحب الآلي في احدى الضواحي الشمالية من العاصمة البريطانية. حكمت المحكمة بسجن الاول ستة شهور، ثم علقت القاضية، تشيري بلير، زوجة رئيس الوزراء السابق، الحكم، على اساس ان الشاب ملتزم دينيا: 'لقد قررت وقف تنفيذ الحكم لمدة عامين، على اساس حقيقة انك شخص متدين، وليس لك سوابق جنائيةô
انك رجل متدين وتعرف ان هذا سلوك غير مقبول'. ربما مر هذا القرار القضائي بدون ان يلتفت اليه احد، ولكن الامر لم يكن كذلك هذه المرة. فقد تم رفع احتجاجات الى الجهة التي تنظر في الشكاوى الموجهة ضد القضاة، خصوصا من المنظمات والهيئات اللادينية، بدعوى ان قرار وقف التنفيذ انطلاقا من كون المتهم 'متدينا' يمثل تمييزا ضد اللادينيين. الى هنا تبدو القضية محدودة الاهمية والاثر. ولكن في الاجواء الجديدة التي تنتشر في الآفاق الاوروبية انطلاقا من حساسية متصاعدة ازاء الاسلام والمسلمين، لا تبدو القضية بريئة، بل ترتبط بالنغمة المتصاعدة ضد الوجود الديني خصوصا الاسلامي منه في هذه البلدان. واذا اضيف الى ذلك ظاهرة 'الاسلاموفوبيا' او التخويف من الاسلام، اتضح عمق شعور المسلمين بالقلق من منحى الرأي العام في البلدان الاوروبية تجاه الظاهرة الاسلامية، خصوصا في مصاديقها السلوكية كارتداء الحجاب والبرقع وبناء المساجد. ولم يعد خافيا وجود اجواء مضادة للالتزام الديني في اغلب دول الاتحاد الاوروبي، حققت بعض النجاحات في احتواء ظاهرة الالتزام خصوصا ارتداء الحجاب. فقد اصبح ارتداؤه ممنوعا في العديد من الدول، منذ ان اصدرت فرنسا، في مثل هذه الايام من العام 2004، قرارا بمنع الحجاب في المدارس، ووضعته موضع التنفيذ ابتداء من العام الدراسي الذي بدأ في ايلول/سبتمبر من ذلك العام. وقد سعى بعض السياسيين في المانيا وبلجيكا لاستصدار قوانين مشابهة في بلدانهم، واستطاعوا تحقيق شيء من ذلك، واصبح منع الحجاب ساري المفعول في بعض المقاطعات الالمانية والبلجيكية والهولندية والدنماركية. وبهذا ازدادت الصعوبات المعيشية التي تواجه المسلمين القاطنين في هذه البلدان.
ربما يكون الحجاب الجانب الاوضح في الصراع الفكري والديني المحتدم نظرا لبروزه كظاهرة توسعت في العقود الاخيرة. ويفسر الغربيون ذلك انه تعبير عن حضور المسلمين الذي يزداد اتساعا في العالم الغربي، الامر الذي اصبح يشكل قلقا لدى رجال الحكم والكنيسة على حد السواء. وبهذا تصبح المرأة المسلمة في الصف الامامي من المواجهة من الناحية العملية، وان كانت ليست كذلك في الجوانب السياسية والفكرية والايديولوجية. وقد تواصلت الاجراءات الفرنسية ضد ظاهرة الالتزام الديني، فأصدر البرلمان الفرنسي في 26 كانون الثاني/يناير 2010 تقريرا يقترح فيه منع ارتداء النقاب في الأماكن التي تديرها الدولة كوسائل النقل والمستشفيات، الامر الذي 'لا يساهم في حماية الهوية الوطنية الفرنسية، او تشجيع الجالية المسلمة على الانصهار في المجتمع الفرنسي' وفق آراء بعض المفكرين الفرنسيين. بل يعتقد بعض هؤلاء ان الحظر يعتبر تدخلا في الحريات الشخصية وهو مناف لمبادىء الحرية الشخصية التي تعتبر اهم دعائم المشروع الديمقراطي الغربي. وفي الفترة الاخيرة اجريت استطلاعات رأي عام في بريطانيا لاستمزاج الآراء الشعبية تجاه الحجاب، ولم تكن نتائجها مشجعة لدعاة المنع. فوفقا لاستطلاع أجرته صحيفة 'اندبندنت' في مطلع هذا الشهر، فان ستين بالمائة ممن شملهم الاستطلاع يؤيدون منع النقاب بشكل كامل. اما الحجاب فلم يشمله الاستطلاع، لان من المستبعد وجود رأي عام يسعى لمنعه. هذه القضايا ذات الطابع الشخصي ليست مستهدفة لذاتها، بل لعنوانها الأوسع: اي لما تمثله من حالة دينية وثقافية وربما حضارية ايضا، تؤسس لتمايز واضح بين اتباع الدين الاسلامي وغيرهم. المشكلة التي تواجه دعاة المنع انهم لا يصطدمون بالمسلمين فحسب، بل بالمؤسسات الكنسية ايضا، التي ترتدي راهباتها لباسا شبيها بالحجاب. ولذلك اعترضت الكنائس بشكل عام على استهداف الرموز الدينية كالحجاب. هذا الموقف الكنسي يؤسس لمساحة واسعة من التعاون والتفاهم بين المسلمين والمسيحيين، خصوصا في القضايا المشتركة، وهي كثيرة في الاديان. فمثلا في الوقت الذي تحدثت فيه بعض المصادر عن زيارة محتملة يقوما بها بابا الفاتيكان لبريطانيا في شهر ايلول/سبتمبر المقبل، شن الفاتيكان هجوما على توجه الحكومة البريطانية لاصدار قانون حول 'المساواة' ليشمل المثليين.
في الاسبوع الماضي توقع الامين العام لمنظمة المؤتمر الاسلامي كمال الدين احسان اوغلو ان تستفحل ظاهرة العداء للاسلام والمسلمين (اسلاموفوبيا) في اوروبا وفي بعض البلدان الاخرى في العالم خلال السنوات المقبلة. جاء التحذير على خلفية التطورات المذكورة والسعي المتواصل من قبل بعض الجهات والمؤسسات الاعلامية والسياسية لمنع تحقق حوار حقيقي بين الحضارات لاسباب سياسية وايديولوجية. فبرغم التفاؤل الناجم عن بعض المبادرات المتمثلة بالزيارات المتبادلة بين علماء الدين المسلمين والفاتيكان، وندوات الحوار المشتركة والمؤتمرات، ما تزال ظاهرة التحسس والتشكيك في النوايا والاستعداء هي التي تؤطر العلاقات، وتحدد مداها وأفقها. ولا يمكن ان تستقر امور العالم في ظروف كهذه، لان الامن يتطلب قدرا من التحاور والثقة المتبادلة والتوافق على خطوط عريضة للتعايش السلمي والاحترام المتبادل ومراعاة مصالح الاطراف، والتخلي عن لغة التهديد او الاتهام او الاحتقار او التنميط. وفي عالم تلاشت فيه الحدود المعرفية، لم يعد هناك من يستطيع اخفاء هويته ونواياه، وبالتالي لم تعد هناك ضرورة للتعامل مع الآخرين الا على اسس الانسانية والمواطنة والرغبة في التعايش السلمي ضمن اطر التعاون والتفاهم. ومن مظاهر الاسلاموفوبيا استمرار النظرة بالشك والريبة للمسلمين الاوروبيين، واعتبارهم مصدرا لتهديد الامن. فمثلا عندما ظهر اعتناق دانييل ستريش الاسلام، لم يتم التعامل مع ذلك على انه خيار شخصي مضمون له، بل اصبحت التساؤلات لدى البعض عن مدى ما يمثله من خطر على الامن القومي باعتباره مدربا عسكريا في الجيش السويسري. هذا برغم ان هذا الجيش يتخذ موقف الحياد ازاء الانتماء الديني لافراد القوات المسلحة. دانييل ستريتش هذا كان عضوا بحزب الشعب السويسري، وسياسيا بمدينة بولي، وقد أخفى تحوله الى الدين الجديد عامين، وكان الخبر مفاجئا للكثيرين عندما تم الكشف عنه. ومن المفارقات ان هذا الحزب هو الذي طرح مشروع قانون منع بناء المآذن في سويسرا، الامر الذي احدث حيرة شديدة في الاوساط الحزبية والسياسية. فكيف يمكن النظر الى مثل هذه التحولات خصوصا انها من النوع الذي يؤدي الى اثارات نفسية وسياسية؟ ان من الصعب اصدار الاحكام على القرارات الشخصية، خصوصا اذا اتخذت بنوايا نقية وبقناعات فكرية قائمة على الدليل والبرهان. ويفترض ان تكون الدساتير الغربية حامية للحريات الشخصية، خصوصا حرية المعتقد، وبالتالي فما دام الامر يتم ضمن هذه القوانين ولا يخالفها، فمن الصعب استهداف الاشخاص بسبب قناعاتهم المؤسسة منطقيا.
ان ما طرحه الامين العام لمنظمة المؤتمر الاسلامي أمر مهم لا يخلو من خطر، يستدعي اهتماما اكبر خصوصا من الجاليات المسلمة القاطنة في الغرب. ظاهرة الاسلاموفوبيا المتنامية يعزوها السيد أوغلو الى 'التوظيف المتواصل لهجمات 11 ايلول/سبتمبر بهدف نشر مزيد من مشاعر الخوف من المهاجرين المسلمين ومن الاسلام عامة'. هذه الظاهرة لم تعد ظاهرة فردية منطلقة من ثقافة مؤسسة على ازدراء الثقافات الأخرى والتنميط غير العلمي، بل تحولت الى سياسات رسمية في بعض الاحيان. السيد اوغلو اشار الى القرار السويسري بمنع بناء المآذن الذي وصفه بأنه 'سابقة خطيرة جدا تؤكد استفحال مخاطر العنصرية الجديدة ضد العرب والمسلمين' معتبرا استخدام الاستفتاء لتبرير اقصاء ثقافة مليار و500 مليون مسلم وديانتهم محاولة لاضفاء تغطية دستورية وقانونية دولية لمعاداة الاسلام والمسلمين'. فهل يمكن ان يؤدي ذلك الى تكريس اسس الامن الدولي؟ ام الى المزيد من الفوضى السياسية وانعدام الامن وتحويل المجتمع الدولي الى غابة يتصارع فيها ساكنوها بدون عقل او منطق؟ مواجهة هذه الظاهرة تتطلب استعدادات نفسية لتعبئة فكرية وثقافية وفي مجال العلاقات العامة لبناء الجسور بدلا من قطع اواصر التواصل خصوصا بين ذوي التأثير من كافة الاطراف مع تعدد انتماءاتها الفكرية والدينية. لقد استبدل الغرب منطق الحوار والسجال بخيارات الحرب، الامر الذي ساهم في إفساد العلاقات ببين الشعوب والامم بشكل كبير، فما جدوى تخصيص الاموال الهائلة لاعادة بناء المناطق والمنشآت بعد تهديمها؟ ان غياب منطق الحوار، واستبداله بسياسات 'التخويف من الاسلام' و 'التنميط' و 'التباين الثقافي والحضاري' يعني ضياع كافة المبادرات التي طرحت خلال العقد الاخير من حياة البشرية لتسهيل مهمة التواصل والتفاهم والتعايش بين مكونات المجتمع الواحد بل الملة الواحدة والكيان البشري الواحد. ان ثمة قوى تتأهب باستمرار لمنع التواصل وتدمير الجسور بين البشر انطلاقا من ظاهرة شيطانية ونفوس مريضة واوهام بعيدة عن الواقع. وان ما يمارسه بعض الساسة الغربيين من استهداف لذوي الثقافات الاخرى خصوصا من المسلمين، لا يخدم هدفا نبيلا بل يؤسس للتوتر والعداء الدائم والمستحكم. المطلوب لمواجهة هذه الظواهر المزيد من الوعي خصوصا من ذوي القرار الديني والسياسي بعيدا عن السقوط في اوحال الجهل والعصبية.
لقد ادرك السيد كمال الدين حسان اوغلو، تحديا كبيرا يواجه ليس المسلمين فحسب، بل يهدد امن العالم واستقراره، لانه يؤسس لعداء ديني يفترض ان يكون المجتمع البشري قد تجاوزه بعد التجارب المرة الطويلة. ولم يفته ذكر بعض اسباب الشرخ في العلاقات بين العالمين الاسلامي والغربي، التي منها، في رأيه ' استمرار احتلال فلسطين وتهويد القدس وبقية المدن والمقدسات الفلسطينية وهيمنة اقصى اليمين الاسرائيلي على الحياة السياسية في اسرائيل'. ويضيف الى ذلك ما يسميه 'تراكم المظالم الاقتصادية والسياسية بين الدول الاسلامية ودول الشمال'. هذا الوضع في نظره 'يساعد على انتشار الفقر والبطالة ومظاهر التخلف ومشاعر خيبة الامل وسلوكيات التطرف في صفوف العالم الاسلامي وفي كل انحاء العالم'. فبالاضافة لهذه المظالم التاريخية هناك المظالم المعاصرة المتمثلة بامور ثلاثة: اولها الاسلاموفوبيا، وهي فصل مهم في ملف 'صراع الحضارات' الذي يروجه الغربيون، وثانيها الحصار العلمي والتكنولوجي لمنع تقدم الامة وابقائها في حالة تخلف دائم. اما البعد الثالث فيتمثل بالحروب العبثية، كما حدث في الصومال والعراق وافغانستان، وما يخطط له في اليمن والسودان. وتحتاج مواجهة هذه الظواهر لقدر كبير من الحكمة والادراك والهدوء العقلي، بالاضافة الى تجاوز التصدعات الداخلية في جسد الامة. وفي هذا الصدد ذكر الامين العام لمنظمة المؤتمر الاسلامي ان المنظمة بدأت سلسلة من التحركات المكثفة لمحاصرة ظاهرة 'النزاعات المذهبية والطائفية' التي تتسبب في صراعات واعمال عنف لفظي ومادي واقتتال داخلي في عدد من الدول الاسلامية. وقال ان بعض الاطراف السياسية المحلية والاقليمية وظفت الخلافات المذهبية والطائفية لتأجيج 'تناقضات مفتعلة بين المواطنين العرب والمسلمين داخل نفس البلد' مؤكدا سعي المنظمة الى تعزيز الحوار السني الشيعي لوقف الاقتتال في افغانستان والعراق وباكستان.
هذا الخطاب العقلاني ضرورة للمرحلة الراهنة التي يتم فيها إشعال فتيل الحرائق في كل زاوية من هذا العالم المبتلى بامور عديدة: التخلف، والعنف والجهل والتعصب والمذهبية بالاضافة الى الاستبداد والديكتاتورية. فلا يمكن مواجهة الاسلاموفوبيا الا بمواقف متماسكة ينجم عنها قراءة موضوعية لطبيعة المشكلة وسبل احتوائها، ويوضح الاهداف التي يمكن تحقيقها ضمن ما هو متاح من امكانات وآليات. فالاسلاموفوبيا لا تشكل خطرا على المسلمين فحسب، بل تهدد مصالح كافة الاطراف، لانها تكرس التعصب والجهل والحقد، وتغلق مدارك العقل وتخنق الحريات الشخصية العامة بدون مسوغ. كما انها غطاء احيانا لتمرير مشاريع سياسية في المنطقة تهدف لتوفير ظروف الاحتلال والهيمنة وتمنع بناء الذات المستقلة القادرة على التفكير والعطاء. وكما ذكر السيد أوغلو فان مواجهة الخارج بما لديه من اسلاموفوبيا وعصبية وخطط شيطانية، تتطلب الانطلاق في الداخل على اسس راسخة من التفاهم والوحدة والمنطق، وهذا يستدعي يقظة ووعيا وابتعادا عن الاثارة والعصبية. ولكي ينجح مشروع مكافحة الاسلاموفوبيا لا بد من انهاء كافة اشكال التآكل الداخلي، بما في ذلك احتواء الظاهرة المذهبية والطائفية والعنصرية والاستبداد.
' كاتب وصحافي بحريني يقيم في لندن
القدس العربي

 
د. سعيد الشهابي 2010-02-10
ارسل لصديق طباعة
 

اضافة تعليــــق

الاسم
الايميل
التعليق
 
ارسل