|
في ذكرى ثورة شباط: هل تستحضر الأسر الحاكمة في الخليج النموذج؟ |
فأجأ القيصر نيقولا الثاني آخر قياصرة روسيا رئيس وزرائه بسؤال عن سبب كره شعبه له مع أنه حاول قدر الإمكان توفير ما يحتاجه شعبه طوال فترة حكمه لكنه قضى على أيدي الثوار البلاشفة بعد ذلك بعشرين عاما هو وعائلته دون أن يحصل على جواب لتساؤلاته تلك، واليوم وبعد مضي كل تلك السنوات على مذبحة أسرة رومانوف مازال بعض أفراد الأسر الحاكمة في الخليج يسأل نفس سؤال القيصر نيقولا الثاني.. ماذا تريد شعوبنا بعدما أغدقنا عليها كل تلك الأموال؟ ويبدو لي أنهم لن يحصلوا على إجابة. ويمكن إرجاع ما جرى في تلك الثورة على آخر القياصرة الروس عام 1917 إلى عجز الحكومة الروسية في ذلك الوقت عن تجديد البنى الاجتماعية والاقتصادية والسياسية، مما أدى إلى إنهيار مستوى دخل الفرد إلى معدلات غير طبيعية ونمو شريحة واسعة من المعارضة لتلك الحكومة، بالإضافة إلى وقوف رجال الشرطة والجيش في ذلك الوقت وهما العصا التي يستند عليهما نظام القيصر مع الشعب عند مرحلة تاريخية معينة من عمر الثورة لأنه في الخامس والعشرين من شهر شباط/فبراير أي بعد ثلاثة أيام من أندلاع أعمال الشغب قام القيصر نيقولا الثاني بإرسال كتيبة كبيرة من الجنود لقمع الانتفاضة ضده لكن على الرغم من أن الجنود قتلوا العديد من المتظاهرين أنقلبت الأوضاع سريعا ضد القيصر وبدأ الجنود بالتعاطف تدريجيا مع الحشود وألتحق بعض الضباط بالمحتجين ضد القيصر، مما أدى إلى تسليح الثورة، ونجاحها في وقت لاحق في التخلص من النظام بأكمله. الأسر الحاكمة في الخليج العربي ومن بينها الأسرة الحاكمة في الكويت مازالت 'تراوح' مكانها على صعيد الإنفتاح السياسي الحقيقي وهي في سلوكها ذلك تستنسخ الظروف التي مر بها القيصر نيقولا الثاني بكل تفاصيلها حتى في توجيه مثل تلك الأسئلة التي لم يكن القيصر بحاجة إلى توجيهها لو تنازل قليلا عن عقلية التفرد بالسلطة على حساب التجديد والتحديث اللذين يجتاحان القارة الأوروبية في ذلك الوقت، لأن القيصر الروسي ورغم محاولاته الإتكاء على طبقة واحدة على حساب بقية الطبقات من خلال ضخ الأموال في جيوب مكوناتها وصل بعد كل ذلك إلى نتيجة واحدة أن المال لا يأتي بالإستقرار له ولحكمه ما لم يكن ذلك مصحوبا بمؤسسات لها إحترامها وقدسيتها وتقوم شرعيتها على صناديق الإقتراع دونما تدخل من المال السياسي. الأسر الحاكمة في القارة الأوروبية بعضها وعى في وقت مبكر ما جرى في الثورة الروسية وقبلها الثورة الفرنسية وأختار نظام المؤسسات الثلاث (التشريعية، التنفيذية، القضائية) وطروحات فكر النهضة وقبل بصناديق الإقتراع وإفرازاتها وظل في مكانه مستقرا حتى الآن، وبعضها أختار المسلك الروسي وأنتهى به الحال إما قتلا على ايدي الثوار أو في المنافي يعيش على ذكريات لن تعود أبدا كما يفعل أبن شاه إيران محمد رضا بهلوي الآن. مادمنا نحن المواطنين الخليجيين أينما كنا نستدعي مثل تلك الحوادث التاريخية لزحزحة واقعنا المتخلف والخروج منه إلى واقع أفضل فالأحرى بالأنظمة الخليجية ومن بينها الكويت أن تهرول لتلك الحوادث بدلا من الهرولة للسلام مع العدو الصهيوني رغبة في نيل رضا الولايات المتحدة الأمريكية واللوبي الصهيوني المتطرف في واشنطن لعلها تستفيد من تلك الحوادث في تطوير بناها السياسية والإقتصادية والإجتماعية القائمة على هياكل قبلية بالية لشيخ العشيرة فيها الرأي الأوحد، خاصة وأننا أكثر شبها في واقعنا الحالي بنظام القياصرة في عام 1917 فنحن نعتمد إعتمادا أساسيا على ثروة ناضبة في أي لحظة هي النفط ولدينا في بعض بلداننا الخليجية مستوى مرتفع من البطالة بالإضافة إلى معدلات عالية تصنف تحت خط الفقر الدولي، كما أن الكثير من حكوماتنا ينخر الفساد الكثير من قطاعاتها مما أدى إلى الحيلولة دون الإستفادة من الفوائض المالية الناتجة عن مبيعات النفط في خلق واقع أفضل، وآخر محاولات التهرب من إستحقاقات المشاركة الشعبية في إتخاذ القرار والتذرع بأوضاع المنطقة الساخنة. في الكويت رغم وجود دستور حدد صلاحيات الأسرة الحاكمة من خلال إنشاء سلطات ثلاث (التنفيذية، التشريعية، القضائية) وأوجد ديوان محاسبة يحدد المال العام والخاص منذ أربعين عاما إلا أن هناك ردة على هذا الصعيد ترشح مؤشراتها بين الحين والآخر في لقاءات الأسرة الحاكمة خلف الكواليس فهناك من يحرض على التخلص من الدستور الكويتي وإستبداله بدستور شبيه ببقية دول الخليج يعين أعضاؤه بقرار من الحاكم، أو ينتخبون دون صلاحيات حقيقية والقرار في نهاية الأمر لحاكم الدولة، وإذا كانت هناك معارضة شعبية لهذا القرار يمكن إستخدام الأساليب البوليسية في مواجهتها، وهناك أيضا من يحاول التشكيك بجدوى الديمقراطية من خلال تدخل وتخريب مسبق بالمال السياسي في العملية الإنتخابية ويقترح تعديل بعض مواد الدستور لتفريغه من الروح الحقيقية لوجوده وهي المشاركة الشعبية في إتخاذ القرار. وأجواء التشكيك بالديمقراطية رغم أنها كانت موجودة في الفترة التي تلت غياب الشيخ عبدالله السالم الصباح أو كما يسمى في الكويت أبو الدستور إلا أنها إزدادت مع وجود الحكومة الحالية، حيث درجت تلك الحكومة على ضخ المال السياسي عند إجراء أية إنتخابات برلمانية لضمان حصولها على أغلبية مريحة تضمن لها أجراء أية تعديلات مستقبلية على الدستور الكويتي وهاهي بين الحين والآخر تطرح تلك الإجراءات على شكل تسريبات على لسان نائب في البرلمان أو خبير دستوري لتهيئة المواطن الكويتي لقبول مثل تلك التعديلات عند طرحها من قبل الحكومة رغم أنها تنفي مثل تلك الإجراءات إذا ووجهت بأية إنتقادات من جانب مؤيدي بقاء الدستور الحالي كما هو. العبر التي تحملها لنا ثورة شباط/فبراير الشهيرة على القيصر الطاغية ليست ملتبسة حتى يعجز البعض عن فهمها وإستلهامها والنفط سلعة ناضبة يمكن أن يصيبها إهتزاز بين لحظة وأخرى والمراهنة على طبقة واحدة في ضمان إستقرار الحكم يعد ضربا من الخيال، فهل تستحضر الأسر الحاكمة كل تلك العبر من أجل مستقبل أفضل للمنطقة الخليجية بدلا من مقارعة الطواحين؟.
عن القدس العربي
|
|
|
|
|
|
|