|
حرفنا أمضى من سيف |
انفجرت الألغام في ساحة الإعلام من دون سابق إنذار، وتمترس كل طرف في خندقه أو خلف متاريسه الترابية، وتحول الأمر وكأنه معركة وجود بين إعلام مطبوع وآخر إلكتروني، وعلى أحد الأطراف أن يحقق انتصاراً ساحقاً يبيد فيه المعسكر الآخر، وفقدت أطراف الصراع الالكترونية هدوءها ورزانتها، وصار كل سلاح مباح في هذه المعركة، من دون أن ندرك أن الخاسر الأكبر هو جثة الإعلام التي نخوض معاركنا على أشلائها وندعي أنه من أجلها.
مشكلة الإعلام هي مشكلة الدولة الأردنية التي لم تحسم أمرها بعد في شكل العلاقة مع الإعلام، هل هو ابن حلال لحالة الدولة الأردنية أم ابن حرام تعتذر عن علاقتها معه وتبقيه قابلاً للارتهان لظروف قاهرة تدفعه للارتزاق كي يبقى حياً ينتظر يوماً جديداً لعله يتحرر من القيود ويعبر الحواجز، تحاول استخدامه حين تريد وتطرده من حظوتها حين تستنفد غاياتها منه، والتاريخ الإعلامي والذاكرة الجمعية الإعلامية الأردنية تذكر قصة الأسبوعيات، صعودها المدعوم من صالونات سياسية والممسوك بيد أمنية، إلى سقوطها المدوي بعد أن استنفدت مبررات بقائها، فتم إجهاض الحالة الإعلامية الأسبوعية وتصفيتها من دون أن يُحسب حجم الخسائر الإعلامية لمثل هذه التصفية على الذهنية الإعلامية وترسيم قوانين اللعبة بين الإعلام والدولة.
أنا هنا لا أبحث عن جهة منتصرة في معركة دونكيشوتية بل عن إعلام منتصر، لأني أؤمن أن الإعلام هو السلطة الرابعة القادرة على مراقبة الجميع بما فيهم الإعلام نفسه، ونحن في الأردن كما أننا لا نستطيع أن نضع العصي في عجلة التقدم التكنولوجي الذي يفسح المجال أمام الإعلام الإلكتروني فإننا لا نقدر على وأد الإعلام المطبوع والتحلل من دمه.
أكاد أذهب أبعد من ذلك حين أقول إن الدولة الأردنية هي المسؤولة عن حالة غياب المدارس الإعلامية الأردنية، فنحن مهما تحدثنا عن حالتنا الإعلامية فإننا يجب أن نعترف أن الإعلام الأردني لم يعبر الحدود وظل مقيداً بالجغرافية الأردنية، فلا صوت له ولا صدى خارج حدود الدولة الجغرافية، وهو ما يعني أن إعلامنا مايزال مغرقاً بمحليته التي تشكل قفصه الذهبي الضيق.
وإذا كان طيف من الإعلام الإلكتروني ارتضى أن يستخدم في معارك سياسية بين مراكز نفوذ في الدولة في مرحلة ما، فإن الإعلام في غالبه الأعم نأى بنفسه عن خوض أية معارك حقيقية لمصلحة الوطن والمواطن، هذا الإعلام الذي صفق كثيراً لأكاذيب اقتصادية ليصحو المواطن الأردني حاملاً عبء مديونية لم نسمع عنها من قبل، واستمرأ الابتعاد عما يسمى باغتيال الشخصية لنكتشف أن هؤلاء الشخصيات تآمروا على اغتيال وطن بأكمله، من دون أن يرف لهم جفن.
وإذا كان كثير من الإعلام الإلكتروني يختلق قصصاً وأخبارا لا أساس لها، فالإعلام المطبوع أخطأ حين صفق لنزاهة انتخابات نيابية وبلدية مزورة، دفع الوطن ثمنها غالياً من مصداقيته ومصداقية مؤسساته المنتخبة، وأخطأ بنشر أخبار غير دقيقة غير مرة، من دون أن نسمع عن محاسبة من كتب المقالة أو نشر الخبر.
الإعلام بمختلف وسائله كجسم واحد إذا ما أصابه مرض انتشر في الجسم كله وإذا ما تعافى تعافى الجسم كله، ونحن أسقمنا المرض وهدّ حيلنا التعب، إعلام منهك القوى غير قادر على قتل ذبابة حتى ولو استخدم المدافع كلها.
علينا أن نخوض معركة وطن جدير بأن يملك إعلاماً قادراً على حمل رسالته وأحلامه وطموحاته، إعلاماً يمتاز بمصداقية وانتشار قادر على التأثير في الرأي العام، وقادر على كشف الأخطاء والخطايا، كما هو قادر على إبراز الحسن والجميل، إعلام يستحقه الأردني بجدارة لأنه ظل صامداً في قلب وطنه رغم الصعاب والعتاب، ورغم التعب والشدة، نخوض معركة إعلام يرغب أن يرتقي كي تكون السماء غطاءه والأرض هي موقع قدميه، نخوض معركة إعلام ينتقل إلى مربع الوطن كله ولا يلقى به إلى التهلكة.
عن الغد الأردني
|
|
|
|
|
|
|