|
مواهب |
مواهب الأسبوع الماضي كان أسبوعا يتدفق بالمواهب واكتشافها وتنميتها والعناية بها وكالمعتاد فرضها على المجتمع كظاهرة غريبة لم يشهدها الاردن سابقا ولن يشهدها الا بعد سنوات طوال (تماما كظاهرة مذنب هالي)!!! مررت بجانب منزل جارنا (أبوخليل) وقد كان جالسا ومعه ابنه (خليل) أو (خليل العجل) كما اعتدنا ان نناديه في (الحارة)، وطبعا هذه التسمية جاءت ليس لرشاقة (خليل) المفرطة وانما لسمانته وشكله المائل (للعجولة)!! كان (خليل) يقف بكامل اناقته امام والده; بذلة سوداء خاصة بالحفلات (توكسيدو)، حذاء اسود لامع، شعر مصفف بعناية فائقة مع (غرة) متدلية على جبينه. ما أن لمحني (أبو خليل) حتى قام بمناداتي للقدوم اليه. - شو رأيك بهالوقفة؟ بذمتك مش زي وائل كفوري؟ ما أن سألني هذا السؤال حتى بدأت التعليقات المضحكة تتزاحم في رأسي ولكني آثرت على الاحتفاظ بها لنفسي وأجبته: - شو وائل كفوري؟! قول توم كروز!! - خلينا على وائل كفوري أحسن. والله ما عليك مخبى، بدي أخلي (خليل) يشارك في ستار أكاديمي، الملعون طلع صاحب صوت طربي واحنا مش عارفين. - ما شاء الله، والله هالخليل طلع مخبى في قشوره!! انا من زمان حاس انه مبدع وموهوب، بس بده ناس يكتشفه!! لم أنهي جملتي حتى أشار الى (خليل) أن يغني لي مقطعا من احدى أغاني فيروز (نسم علينا الهوا). ما أن بدأ فناننا العتيد بالغناء حتى تيقنت بأن (أبو خليل) يعاني من مشاكل خطيرة في السمع!!! كم تمنيت ساعتها بأن تنشق الأرض و تبتلع موهوبنا الصغير لعلنا نرتاح من هذه الكارثة الابداعية، وكم حزنت على تلك الأغنية الرقيقة وهي تخرج صارخة ممزقة من فمه!!! ما ان انتهى (خليل) من (جعيره) حتى سارع (ابو خليل) بسؤالي عن موهبة (خليل) الفذة في الغناء، فما كان مني الا ان امتدح صوته (الفيروزي) العذب واحساسه (الكفوري) المرهف في الغناء. ذكّرني هذا الموقف بفترة معينة من طفولتي، اعتقد انني كنت في الصف الرابع الأساسي، و كنت وقتها مقتنعا بأن لدي حنجرة ذهبية وصوت جميل ليس له مثيل، وأن مستقبلي كله سيكون في عالم الفن والطرب وعلى خشبة المسرح. جاءت في احد الأيام معلمة الموسيقى الى صفنا تسأل عن أصحاب الأصوات الرقيقة لاشراكهم في الكورال المدرسي، ونظرا لثقتي المفرطة في صوتي كنت أول المتحمسين والمسجلين معها. بدأنا التدريب في الكورال وكان المطلوب منا أن نؤدي أغاني ذات طابع هادىء ولطيف، ولكن كلما شرعنا في الغناء كانت المعلمة توقفنا منذ البداية شاكية من وجود صوت (نشاز) بيننا. أثار صوت (النشاز) هذا جنون المعلمة حتى قررت أن تأخذ كل واحد منا على حدى وتستمع الى صوته اثناء غناءه المنفرد. بدأت فينا طالبا تلو الآخر حتى وصلت الى (حضرتي) وطلبت مني الغناء. وقفت بكل ثقة أمامها و تنحنحت و(دوزنت صوتي) كما يفعل المطربون المحترفون ثم بدأت (بالتغريد) وكلي ثقة ويقين بأني لست صاحب ذلك الصوت المزعج. - بس بس وقف، هو انت؟! الله لا يعطيك العافية على هالصوت. قالتها المعلمة بكل عصبية وكأنها بركان وانفجر. آلمتني كلماتها تلك، وصدمتني حقيقة انني لا اجيد الغناء وانني لا امتلك تلك الحنجرة الذهبية كما كنت متصورا. بكل بساطة تدمرت كل أحلامي. أحست المعلمة بخيبة الأمل التي أصابتني، فأخذتني على حدى وبدأت بالتحدث معي بنبرة صوت منخفضة وكأنها لا تريد احدا ان يسمعها: - بصراحة ما بدي احرجك قدام زملائك، رح أخليك في الكورال بس بتكون منظر، يعني بس بتحرك شفايفك بدون ما تطلع اي صوت. لم أتردد بالموافقة على هذا العرض المغري، وان كان يقتصر على تحريك الشفاه ولكنه حقق لي حلم الوقوف على خشبة المسرح. عدت الى الكورال، وكنت مواظبا على حضور كل التمارين سواء كانت أثناء الحصص أو بعد المدرسة في بعض الأحيان (وانا ما شاء الله علي مبسوط على خيبتي)!!! كانت تلك الحادثة اول درس لي في هذه الحياة عن تكافؤ الفرص ووضع الرجل المناسب في المكان المناسب!!! فبعد كل تلك السنوات وجدت أن الأمر سيان في عالم الكبار (كلها بتحرك شفايفها)!!!. (خليل العجل) أيضا لم يوفق في مسعاه بأن يصبح مطربا ولا حتى أن يحرك شفاهه (شكله ما عنده واسطة)، وعاد الى منزلهم مع والده. قمت بدوري بمواساتهم على مصابهم الجلل ورحت اقنعهم بأن ستار أكاديمي جماعة لا تعرف الفن الراقي وبعيدة كل البعد عن الموسيقى وانهم مجرد هواة، فما عليه الا ان يصبر قليلا وستأتيه الفرصة في يوم ما ليظهر موهبته الفذة بالغناء!!! بعد يومين لمحت (ابو خليل) و (خليل) على باب منزلهم مرة أخرى ولكن هذه المرة كان (خليل) يرتدي ملابس ضيقة، زهرية اللون، غريبة نوعا ما وكان شكله مضحكا جدا. تمالكت نفسي من الضحك وسألت (أبو خليل) عن سر (هالتشخيصة) الغريبة. - والله بيني وبينك (خليل) طلع ما بنفع في الغناء، الملعون طلع عنده موهبة واضحة في (رقص الباليه)، والله ما بعرف كيف ما انتبهنا اله. ما أن قال (رقص باليه) حتى تيقنت بأن المشكلة ليست في أذنيه فقط بل في كل عقله!! - (خليل)، ارقص الك شوي ومتع نظر ابن جيرانا. قام (أبو خليل) بتشغيل موسيقى (بحيرة البجع) وبدأ (خليل بافالوفا) بالدوران والرقص على أنغامها. لم أعرف كيف أصف (الهبل) الذي يجري أمامي، فما كان مني الا ان اقوم بامتداح رقصه: - ما شاء الله عليه فراشة، رشاقته زي الفراشة بالزبط!!! البارحة مررت من جانب منزل (أبو خليل) ويبدو أن مرحلة اكتشاف المواهب عند (خليل) لم تنتهي بعد، فقد كان يرتدي ملابس للتزحلق على الجليد!!! وعندها اقتنعت بأن (أبو خليل) خارج نطاق التغطية حاليا!!! أهلا في الأردن، بلد الخمسة ملايين موهوب
|
مازن جمال الخيطان |
|
2010-06-17 |
|
|
|
|
|
|
|