|
عن المصريين العاملين في الأردن لكن سنة 1970 |
أربع مدن عربية لا حد لعشقي لها: 'عمان' و'دمشق' و'بغداد'، و'بيروت'، ولكل منها- وفيها- عشرات الحكايات، بكل هذا العشق جلس الرجل الكهل يحمل فوق كتفيه ثلاثة وستين عاما هي كل عمره يتابع على قناة 'الجزيرة الفضائية' الفيلم الوثائقي 'مروح على مصر' عن المصريين العاملين بالأردن، وما هي إلا لحظات حتى بدأ ينسحب داخل كهف ذكرياته فيفتح العشق مغاليقه، واجتاحته ملامح 'الفتى' الذي كان قد خلف وطنه 'مصر المحروسة' خلف ظهره وحملته السفينة إلى ميناء العقبة: كان الفتى- يومها- في السابعة عشر من العمر وقد فصل من التعليم بعد عام واحد من نكسة 67 وبالتحديد عقب مظاهرات الطلبة في أوائل عام 68 متهما بـ'التظاهر ومحاولة قلب نظام الحكم' ولاحقته أجهزة الأمن وسخريات أبيه الذي كان يعتبره فاشلا في الدراسة والحياة وأنه قد أصبح عالة عليه وخطرا على أخوته الثمانية الآخرين، فكان لابد عليه أن يرحل، واستطاع 'الفتى' الحصول على 'جواز سفر' مزور في مقابل مبلغ من المال كانت أم 'الفتى' قد اختصرته من مصروفات البيت التي كانت تطعم بها أبناءها التسعة وأعطته له من خلف ظهر أبيه، كان 'جواز السفر' المزور لا يحمل اسم 'الفتى' الحقيقي بل اسما اختاره له المزور، واستطاع 'الفتى' مغادرة مصر المحروسة على ظهر سفينة بحرية إلى ميناء 'العقبة' بالأردن، ووصل 'الفتى' إلى 'العقبة' ومنها إلى 'عمان' الرحيمة حيث دله بعض الناس الطيبين على وسط المدينة ليجد لنفسه عملا يقتات منه، وإلى جوار جدار 'المسجد الحسيني' تعرف على 'كايد' بائع الجرائد الذي أصبح فيما بعد أول صديق حقيقي في غربته بالرغم من أنه كان يكبره بعشرة أعوام تقريبا، واصطحب 'كايد' الأردني صديقه 'الفتى' المصري إلى مقهى في مواجهة المكان الذي كان يتخذه 'كايد' مركزا لبيع جرائده في ناصية شارع اسمه 'بسمان' وكان المقهى يحمل فوق مدخله لافتة كتب عليها 'مقهى الجامعة العربية' ويذيع الأغاني المصرية بصوت عال للمطربين أمثال 'محمد رشدي' و'عبد الحليم حافظ' و'فريد الأطرش' من جهاز التسجيل، لكن 'عم أبو محمد الهنداوي' المشرف على المقهى دائما ما يخفض صوت 'فهد بلان' وهو يزعق بصوته الجهوري مغنيا 'واشرح لها' أو 'ركبنا على الحصان' أو 'يا سالمة' وبالذات في أوقات الآذان الذي كان يأتي من المسجد الحسيني ، قضى 'الفتى' أيامه يعمل في نظافة المقهى ويعاون النادل في تقديم 'الأرجيلة' والطلبات للزبائن نظير خمسة عشر دينارا شهريا بالإضافة للسماح له بالمبيت مجانا في المقهى حيث كان ينام فوق كنبة خشبية فرشت فوقها سجادة سميكة، وفي النهار كان 'الفتى' يقوم بتوصيل 'المشروبات' إلى محلات الإليكترونات التي تبيع أجهزة الراديو والكاسيت أو إلى مشاغل الأحذية و'الكندرجية' مثل المعلمين 'عاشوري' و'بوغوص' أو 'المحمصة' التي كانت في مدخل 'طلعة قبرطاي' حيث كان يشتري منها في ليلة أجازته بخمسة قروش كاملة قرطاسا من البندق المقشر أو الفستق قبل أن يدخل سينما 'رغدان' القريبة من المقهى والتي كان يفضلها عن سينما 'بسمان' لأنها كانت تعرض الأفلام الهندية المليئة بالرقص والراقصات والأغاني بالألحان ذات الإيقاعات التي كانت ترقص الحجر وربما كان 'الفتى' بعد خروجه من سينما 'رغدان' يدخل من باب 'بار الكيت كات' ليخطف له زجاجة بيرة ساقعة كانت تكلفه سبعة قروش مع طبق من الترمس قبل أن يذهب إلى النوم فوق الدكة الخشبية في مقهى 'جامعة الدول العربية'، وفي لحظة مفصلية في حياة 'الفتى' أشبه بلحظات القدر في التراجيديات اليونانية طلب 'عم أبو محمد هنداوي' من 'الفتى' أن يحمل صينية كبيرة من النحاس الأصفر عليها كمية كبيرة من 'المنسف' بقطع اللحم الشهية وأن يذهب بها إلى المطبعة الموجودة على الدرج في طلعة 'قبرطاي' والتي كانت تطبع بعض الجرائد، وطلب 'عم أبو محمد' من 'الفتى' تسليم صينية المنسف للقائد الفلسطيني 'وليد' الذي حضر للمطبعة اليوم وإبلاغه بأن صينية المنسف هذه من بيت الحاج 'زريقات' تحية له، وحمل 'الفتى' صينية المنسف وتقابل مع القائد الفلسطيني 'وليد' وعرف 'الفتى' أن القائد الفلسطيني يكبره بعشرة أعوام وأنه قد حضر اليوم للمطبعة لتسلم الأعداد التي تم طبعها من جريدة 'فتح' التي تصدرها 'حركة التحرير الوطني الفلسطيني' وكان صديقه 'كايد' بائع الجرائد هناك حيث سلمه القائد 'وليد' مئتين نسخة من الجريدة لتوزيعها وتقاضى منه مبلغ مئة وعشرين قرشا عدا ونقدا، ومن هذا اليوم وبعد عدة لقاءات مع القائد 'وليد' وحوارات مطولة وحكايات عن 'فلسطين' و'مصر' واعتراف من 'الفتى' للقائد الفلسطيني بحقيقته وجواز سفره المزور واسمه الحقيقي، من هذا اليوم لم يفارق 'الفتى' الأخ 'وليد نمر' الذي اكتشف 'الفتى' بعد مدة قصيرة أنه القائد الفلسطيني 'أبو علي إياد': لم يعد بعد ذلك إلى 'مقهى جامعة الدول العربية' وحمل 'الكلاشينكوف' وسكن في 'مخيم الوحدات' في بيت 'أم رزق' مع مجموعة من الشباب في مثل سنه كان أقربهم إليه 'أنسي اليمني' الذي لم يكن هذا اسمه الحقيقي فقد كان اسمه 'عائض' لكن 'أبو على إياد' هو من منحه هذا الاسم، أخذ منه الأخ 'أبو علي' جواز سفره المصري المزور- فاحتفظ ببطاقة الهوية المصرية التي كانت تحمل اسمه الحقيقي وكان قد حملها معه من مصر مع مفاتيح بيتهم- وأعطاه بطاقة هوية صادرة من 'الكفاح المسلح الفلسطيني' عليها صورته تحمل تصريحا دائما وكان أقوى من كل بطاقات الهوية (حتى الأردنية) و'هشام المصري' اسما منحه له 'أبو على إياد'، كما منحه خمسة وثلاثين دينارا راتبا في الشهر وتعاهدا- على كتاب الله ورغيف خبز وكلاشينكوف- ألا يتحدث مع أي مخلوق أو كائن من كان عما يراه أو يسمعه منذ هذه اللحظة وإلى أن يموت، وبعد شهرين نقله 'أبو علي إياد' ومعه صديقه 'أنسي اليمني' في سيارته إلى 'عجلون' فلم يعد إلى 'عمان' بعدها أبدا، حيث وضع قدميه على أول 'الطريق الطويل إلى فلسطين' كما أكد له قائده 'وليد نمر' المعروف باسم 'أبو علي إياد'. واندلعت المعارك الضارية بين القوات الفلسطينية في 'عجلون' وقوات كبيرة ومن جهات متعددة من الفرقة الثانية للجيش الأردني التي كانت تمشط كل شبر في الجبال والمرتفعات والمنخفضات والقرى حول 'عجلون' فانتقلت القوات إلى قرية اسمها 'الحصن' ومنها إلى بلدة 'إربد' وعرف 'الفتى' أن 'أبو علي' يقود القوات باتجاه حدود سورية التي قد يدخلونها لكن 'الفتى' اكتشف أن بعض القوات السورية قد أتت لتنقذهم من جحيم الفرقة الثانية الأردنية ولكن صديقه الحبيب 'أنسي اليمني' كان قد أصيب في بطنه إصابة بالغة، واستوقف 'أبو علي' سيارة نقل جنود سورية وأمرنا بوضع 'أنسي اليمني' فيها وطلب من 'الفتى' أن يركب معه ويصاحبه لتوصيله إلى المستشفى، ولم يكن يعرف أين تكون هذه المستشفى، إلا أنه وصل إلى 'الشام' وعـــــرف أن 'الشام' هذه هي مدينة 'دمشق' وكان 'أنسي اليمني' قد مات في الطريق، واشترك في دفنه وبعد حوارات معه مع بعض الضباط السوريين الذين استطاعوا الحصول له على وثيقة سفر من السفارة المصرية وأركبوه الطائرة عائدا إلى مصر. كان الفيلم الوثائقي 'مروح على مصر' يتمم اكتماله على شاشة فضائية 'الجزيرة'، وكان الكهل يتابع 'الفتى' في ذاكرته: هل كنت أنت 'الفتي' اليابس المر؟ وكل شيء ينتهي إلا 'الطريق الطويل إلى فلسطين' يا أبا علي وتمتد بيننا لهفات الغياب، وهاهو 'الفتى' وقد قرر بعد أربعين سنة أن يحنث بعهده معك يا أبا علي، وهاهو يعود ضائعا كضياع 'الطريق الطويل إلى فلسطين' من تحت قدميه، ولم يتبق إلا طيفك يا أبا على، تأتيني عيناك النافذتين وأسمع صوتك ضاحكا: 'لم أر أحدا يرتدي ملابس مجعلكة مثلك' ولم أكن أعرف معنى كلمة 'مجعلكة' لكني كنت أحب سماعها منك فأنت من أعطاني معان الكلمات، وأنت من أعطاني اسمي، وقد طال السفر يا أبا علي، وطال الطريق إلى فلسطين أكثر أكثر وما زلت أرى وجهك في كل وجوه الأطفال وأنت كنت كالنبي الوحيد الذي كان يعرف أن الطريق طويل إلى فلسطين.
القدس العربي
|
|
|
|
|
|
|