|
فوضى الهوى |
في الذكرى الأخرى للهوى، يطيبُ لها نقشُ الطربِ على أوتارِ عشقها الأول، فتهبُّ رياحُ الشوق المجنونةِ لتعبثَ بأدق أوتارها، فتراودها ذكرياتها في حبّه لتعودَ تتساءل : ألا زلتُ أحبهُ؟ ترفعُ بصرها عالياً فتسترقُ النظر إلى قلبها نجمة. ليعودَ البعثَ في أوردتها الشفيفةِ؛ فيدقُ القلبُ معلناً كيانَ حبيبها الملكَ الأولَ والأبقى في عرينها، فتهمس في أذنِ قلبها (أحبكَ). ثم عاودها الشكّ، وبعدَ الشكِّ يأتي اليقينُ دائماً، فتعود لترمي بخفقاتها في ساحاتِ معاركٍ لا تنتهي رغمَ أنها تخرجُ دائما منتصرةً، إلا أنها عشقتْ دورها كقتيلةِ عشق. تغمضُ عينيها الواسعتينِ، وتتساءل : ألا زلتُ أحبهُ في حضورهِ كما غيابه؟ تَلاعبَ الترقّبُ بآخرِ صيحاتِ انتظارها، سيصلُ بعدَ قليل، أتراها سترتجفُ حواسُها حينَ يراها!! أقبلَ عليها كما النور؛ يزدادُ إشعاعاً في عينيها فأغمضتْ لوهلةٍ لتستطيعَ التحديقَ أكثر، بادرها سلاماً كأنه للكمانِ أنين، فقبضتْ على قلبها المختبىء بأحشائها وقالتْ: أحبكَ في حضورك. مدّ يده كأميرٍ عائدٍ للتو من حدائقِ الشعر، فناولتهُ أطرافَ أصابعها كما الغريق يريدُ انتشالا، وأبقتْ على عينيها غارقتينِ، ومضتْ كخيطِ عطرٍ دسستهُ الريحُ في مساماتِ يديه ثم غابتْ عن وعي العالم أجمعْ، ولم تعد تعي سوى حديثٌ تسمعهُ من دقاتِ قلبه. صمتَ الكونُ أمامها وتوقفتْ الأرضُ عن الدوران وما عادتْ تعي سوى قرعِ طبولٍ قادمٍ من جوفها يدفعها للمشي على الهواءِ بلا أقدام وكأنها حمامةٌ طارتْ ترفرفُ بين أزهارِ نيسان. تبسّمتْ وأحكمتْ القبضَ على يديهِ وقالتْ: لا تدعني أهبط فإني أعشقُ الطيرانَ على أجنحةِ ساعديكْ واعذرني إن عادني الشكُّ في هوى مقلتيكْ فإنني أدري بأنني متنفسةٌ لهواءِ قلبي من جوفِ رئتيكْ لكنني أعشقُ شكّي فهو يعيدني دائماً إليكْ وأفرحُ بفراشاتِ روحي ترفرفُ على مطاراتِ عينيكْ رقصَ قلبهُ الطفل بين أحضانِ كلماتها الدافئةِ، فأشعلَ شموعاً تقتادُ من فتيلةِ صدقِ الهوى وأضمرَ في ذاتهِ أن يحتضنَ روحها للأبد، لكنّه لم يُطلعها على حبّاتِ قلبهِ وهي تتبعثرُ من حولهما كشلالٍ يتصبّبُ من أعلى ارتفاع فيغمرهما سعادةً لا تنضبْ وفرحاً لا يُقهر. وحين أوشكَ أن يقولها، سبقتهُ فقالتْ: أحبكَ للأبد يا أغلى وعدٍ من القدر وأكملا المسيرَ في طريقٍ لم يسلكهُ إلا من امتلكَ روحاً وقلباً كما الغيوم في البياضِ وفيضاً في الهوى كما الأمطار في كانون. ثمّ أشرقتْ الشمسُ بعد ذلكَ بقليل.
|
إيمان بني مفرج |
|
2010-03-11 |
|
|
|
|
|
|
|